في كل مرة نفتح فيها الهاتف ونتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، قد نواجه قصة جديدة لامرأة تعرضت للعنف، أو جريمة أثارت الغضب، أو شهادة لامرأة قررت أخيرًا أن تتحدث عما تعرضت له.

تنتشر القصة بسرعة، تتسع دائرة التفاعل، تظهر آلاف التعليقات المطالبة بالمحاسبة، ثم تهدأ الموجة بعد أيام، لتظهر قصة أخرى.

هذا التكرار يطرح سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة شديد التعقيد:

هل أصبح العنف ضد المرأة أكثر انتشارًا؟ أم أننا أصبحنا نراه ونسمعه أكثر لأن النساء أصبحن أكثر قدرة وجرأة على الحديث عنه؟

الإجابة العلمية لا تسمح باختيار أحد الاحتمالين بسهولة.

فالعنف ضد المرأة مشكلة قديمة وواسعة الانتشار، وفي الوقت نفسه أصبح المجتمع أكثر قدرة على اكتشاف بعض الحالات التي كانت في الماضي تبقى خلف الأبواب المغلقة.

ولهذا فإن ارتفاع عدد القصص المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعني تلقائيًا أن معدل العنف ارتفع بالمقدار نفسه.

والتمييز بين الأمرين هو الخطوة الأولى لفهم الظاهرة.


إحصاءات وتقارير حديثة: ماذا تقول الأرقام فعلًا؟

تقدم البيانات الدولية صورة أكثر تعقيدًا من الانطباع الذي قد تصنعه مواقع التواصل الاجتماعي.

وفق أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية المنشورة في 2025 والمبنية على بيانات حتى عام 2023، تعرضت نحو واحدة من كل ثلاث نساء عالميًا، أي قرابة 840 مليون امرأة، للعنف الجسدي و/أو الجنسي من شريك أو للعنف الجنسي من غير الشريك مرة واحدة على الأقل خلال حياتها. كما تشير التقديرات إلى أن نحو 316 مليون امرأة تعرضن خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للتقدير لعنف جسدي أو جنسي من شريك حميم.

لكن الرقم الأكثر دلالة ليس فقط حجم المشكلة، بل بطء التغيير.

فبحسب منظمة الصحة العالمية، لم ينخفض عنف الشريك عالميًا إلا بمعدل سنوي يقارب 0.2% خلال العقدين الماضيين، بينما ظلت النسبة العالمية قريبة من مستوى واحدة من كل ثلاث نساء. وهذا يعني أن المشكلة لم تختفِ، وأن التقدم في الحد منها ما زال بطيئًا للغاية.

في المقابل، توجد مشكلة أخرى تجعل قراءة الأرقام أكثر صعوبة:

ليس كل عنف يصل إلى الجهات الرسمية، وليس كل ضحية تطلب المساعدة.

وتشير بيانات الأمم المتحدة للمرأة إلى أن أقل من 40% من النساء اللاتي يتعرضن للعنف يطلبن المساعدة بأي شكل، وفي كثير من البلدان تكون الأسرة والأصدقاء مصدر المساعدة الأكثر شيوعًا، بينما تلجأ نسبة صغيرة فقط إلى الشرطة.

إذن، الأرقام الرسمية لا تمثل بالضرورة كل ما يحدث.

وهنا نصل إلى جوهر السؤال:

هل ارتفاع عدد الحالات التي نسمع عنها يعني ارتفاع عدد الحالات التي تحدث؟

ليس بالضرورة.


أسباب معقدة ومتداخلة: لماذا لا توجد إجابة واحدة؟

العنف ضد المرأة لا ينتج عادة عن سبب واحد.

فهو ظاهرة تتداخل فيها عوامل شخصية وأسرية واقتصادية وثقافية وقانونية واجتماعية.

ولهذا فإن تفسير ارتفاع ظهور الحالات على السوشيال ميديا باعتباره نتيجة مباشرة لزيادة الجريمة فقط، أو باعتباره نتيجة زيادة الوعي فقط، هو تبسيط لمشكلة أكثر تعقيدًا.

هناك على الأقل ثلاثة مستويات يجب النظر إليها:

العنف الذي يحدث فعلًا، والعنف الذي يتم الإبلاغ عنه، والعنف الذي يصل إلى الجمهور عبر الإعلام والسوشيال ميديا.

قد ترتفع الحالات في المستوى الأول.

وقد يرتفع الإبلاغ عنها في المستوى الثاني دون أن ترتفع معدلات العنف بالمقدار نفسه.

وقد يتضاعف ظهورها في المستوى الثالث لأن قصة واحدة أصبحت قادرة على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات.

وهذا الفرق مهم جدًا عند تحليل أي ظاهرة اجتماعية.


الثقافة والصمت والخوف: لماذا تأخر الحديث كل هذه السنوات؟

العنف لا يستمر فقط بسبب وجود المعتدي.

أحيانًا يستمر بسبب البيئة المحيطة التي تجعل الضحية تخشى الكلام.

الخوف من الفضيحة.

الخوف من فقدان الأسرة.

الخوف من الانتقام.

الخوف على الأطفال.

الخوف من عدم التصديق.

الخوف من تحميلها مسؤولية ما حدث.

وفي بعض البيئات، قد تكون المرأة مطالبة بإثبات أنها «ضحية مثالية» حتى تحصل على التعاطف.

ولهذا فإن الصمت ليس دائمًا علامة على عدم وجود المشكلة.

قد يكون الصمت نفسه جزءًا من المشكلة.

ومع تغير الخطاب الاجتماعي وازدياد الحديث عن العنف الأسري والتحرش والعنف النفسي والجسدي، بدأت بعض النساء يجدن لغة تستطيع وصف ما تعرضن له.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الإنسان لا يستطيع طلب المساعدة بسهولة في مشكلة لا يعرف حتى كيف يسميها.


أثر العنف على النفس والمجتمع

العنف لا ينتهي بانتهاء لحظة الاعتداء.

آثاره قد تمتد إلى الصحة النفسية والجسدية والعلاقات الاجتماعية والعمل والأسرة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العنف ضد المرأة يرتبط بمجموعة واسعة من النتائج الصحية والنفسية والاجتماعية، وقد يؤثر في الصحة الإنجابية والصحة النفسية والحياة اليومية للمرأة.

لكن الأثر لا يتوقف عند المرأة نفسها.

فالطفل الذي يعيش في بيئة يسودها العنف قد يتعلم أن القوة هي وسيلة لحل الخلافات، أو أن الصمت هو الطريقة الطبيعية للتعامل مع الأذى.

وهكذا يمكن أن يتحول العنف من حادثة فردية إلى نمط تنتقل آثاره بين أفراد الأسرة والمجتمع.

لذلك فإن التعامل مع العنف باعتباره «مشكلة بين شخصين» فقط لا يعكس حجمه الحقيقي.

إنه قضية تمس الأسرة والصحة النفسية والأمان الاجتماعي والاقتصاد والتعليم، وحتى قدرة المجتمع على بناء علاقات صحية.


صوت المرأة أقوى من أي وقت

ربما يكون أحد أهم التغيرات التي حدثت خلال السنوات الأخيرة هو أن المرأة أصبحت تملك وسائل أكثر للوصول إلى الجمهور.

في الماضي، كان نشر قصة شخصية يحتاج إلى وسيلة إعلامية أو جهة صحفية أو شخص يملك القدرة على إيصال صوتها.

أما اليوم، فقد تستطيع امرأة واحدة أن تكتب تجربتها، أو تسجل فيديو، أو تنشر شهادة، فتصل قصتها خلال ساعات إلى آلاف أو ملايين الأشخاص.

هذه القدرة لها وجهان.

فمن ناحية، يمكن أن تساعد المرأة على كسر العزلة والوصول إلى الدعم.

ومن ناحية أخرى، قد تحول المأساة إلى مادة للفرجة والتعليقات والهجوم والتشهير.

ولهذا لا ينبغي أن نخلط بين ارتفاع القدرة على الكلام وتحسن الحماية بالضرورة.

فالقدرة على النشر ليست بديلًا عن وجود مؤسسات قادرة على الحماية.


الدعم النفسي والاجتماعي: لماذا لا يكفي أن نقول للضحية «اتكلمي»؟

من أكثر الأخطاء شيوعًا اختزال تمكين المرأة في عبارة:

«لا تسكتي.»

نعم، كسر الصمت خطوة مهمة.

لكن ماذا يحدث بعد الكلام؟

  • إذا تحدثت المرأة ولم تجد من يصدقها، فقد يصبح الحديث تجربة مؤلمة جديدة.
  • إذا طلبت المساعدة ولم تجد مكانًا آمنًا، فقد تعود إلى البيئة نفسها.
  • إذا احتاجت إلى دعم قانوني ولم تستطع تحمل تكلفته، فقد يصبح حقها النظري غير قابل للوصول عمليًا.
  • وإذا كانت تعتمد اقتصاديًا على المعتدي، فإن قرار المغادرة قد يكون أكثر تعقيدًا مما يبدو للآخرين.

لذلك فإن الدعم الحقيقي يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل، بحسب الحالة:

الدعم النفسي، والمشورة القانونية، والحماية، والمساندة الاجتماعية، والتمكين الاقتصادي، والوصول إلى خدمات آمنة وسرية.

وهذا يتوافق مع الاتجاه الدولي نحو الاستجابة للعنف باعتباره قضية متعددة القطاعات، وليس مجرد مشكلة أمنية أو أسرية.


التشريعات والحماية تتطور... لكن القانون وحده لا يكفي

وجود قانون يجرّم العنف خطوة أساسية، لكنه ليس نهاية الطريق.

القانون يحتاج إلى تطبيق فعال.

والتطبيق يحتاج إلى مؤسسات مدربة.

والمؤسسات تحتاج إلى موارد وآليات واضحة للتعامل مع الضحايا.

كما تحتاج المرأة إلى معرفة حقوقها وإمكانية الوصول إلى الخدمات دون خوف أو تعقيدات تمنعها من طلب المساعدة.

وتشير الأمم المتحدة للمرأة إلى أن القوانين والسياسات والميزانيات أدوات أساسية لمواجهة العنف، لكنها لا تحقق أهدافها إلا عندما يتم تنفيذها وتطبيقها بصورة فعالة.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط:

هل يوجد قانون؟

بل:

هل تستطيع المرأة الوصول إلى الحماية التي ينص عليها القانون عندما تحتاج إليها؟


الوعي يبدأ من هنا

الوعي الحقيقي بالعنف ضد المرأة لا يعني فقط معرفة أن العنف خطأ. بل يعني القدرة على التعرف على العنف قبل أن يصل إلى مراحله الأكثر خطورة.فالعنف ليس دائمًا ضربة أو اعتداءً جسديًا واضحًا.

  • قد يبدأ بالتحكم.
  • ثم العزل.
  • ثم الإهانة.
  • ثم التهديد.
  • ثم مراقبة الهاتف والعلاقات.
  • ثم الابتزاز.
  • ثم الاعتداء.

وفي بعض العلاقات قد تختلط هذه السلوكيات بفترات من الاعتذار والوعد بالتغيير، مما يجعل الضحية أكثر ارتباكًا وأقل قدرة على تقييم خطورة ما يحدث.

لذلك فإن نشر الوعي بالصحة النفسية والعلاقات الصحية والحدود الشخصية وحقوق الإنسان يمكن أن يساعد على اكتشاف الأنماط المؤذية في وقت مبكر.

والوعي هنا ليس مسؤولية المرأة وحدها.

إنه مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والقانونية والمجتمع كله.


هل زادت معدلات العنف أم زادت جرأة الضحايا على الحديث؟

بعد النظر إلى الصورة كاملة، تصبح الإجابة أكثر دقة:

ربما زادت بعض أشكال العنف في بعض المجتمعات والسياقات، لكن لا يمكن استخدام زيادة ظهور القصص على السوشيال ميديا وحدها لإثبات ذلك.

في الوقت نفسه، توجد أدلة واضحة على أن العنف كان تاريخيًا ناقص الإبلاغ والتوثيق، وأن الوصمة والخوف يمثلان عائقين كبيرين أمام طلب المساعدة.

إذن، نحن أمام ظاهرتين يمكن أن تحدثا في الوقت نفسه:

عنف موجود بالفعل، ووعي أكبر به.

وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعلنا نشعر بأن الظاهرة انفجرت فجأة.

فما تغير ليس بالضرورة حجم المشكلة وحده.

ما تغير أيضًا هو قدرتنا على رؤيتها.


من «الترند» إلى التغيير الحقيقي

المشكلة تبدأ عندما تتحول قصة امرأة تعرضت للعنف إلى ترند لمدة 48 ساعة، ثم تختفي.

الغضب الرقمي قد يلفت الانتباه إلى القضية، لكنه لا يوفر وحده حماية مستدامة.

والتعاطف في التعليقات لا يعوض العلاج النفسي.

والمطالبة بالمحاسبة لا تغني عن نظام قانوني فعال.

والانتشار الكبير للقصة لا يعني أن الضحية حصلت بالفعل على الأمان الذي تحتاج إليه.

لذلك يجب أن تكون وظيفة المجتمع أكبر من صناعة الترند.

المطلوب هو تحويل الاهتمام المؤقت إلى:

وعي مستمر، وخدمات دعم حقيقية، وتشريعات فعالة، وتطبيق للقانون، وتعليم للعلاقات الصحية، وثقافة ترفض تبرير العنف وإلقاء اللوم على الضحية.


الخلاصة: نحن لا نرى العنف لأول مرة... لكننا نراه بطريقة مختلفة

ربما يكون السؤال الأكثر دقة ليس:

هل زاد العنف ضد المرأة؟

بل:

كم من العنف كان موجودًا ولم نكن نراه؟ وكم منه أصبح ظاهرًا لأن النساء أصبحن أكثر قدرة على الكلام؟

الإجابة تحتاج إلى بيانات طويلة المدى، ومقارنة بين معدلات الانتشار الفعلية ومعدلات الإبلاغ والتوثيق، وليس إلى عدد القصص التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن هناك حقيقة لا تحتاج إلى انتظار إحصاء جديد:

العنف ضد المرأة مشكلة حقيقية وواسعة الانتشار، والصمت حوله لا يعني غيابه.

وقد يكون ارتفاع الأصوات التي تتحدث عنه علامة مؤلمة، لكنها في الوقت نفسه علامة على تغير مهم:

أن المرأة لم تعد مستعدة دائمًا لتحمل الأذى في صمت.

والخطوة الأهم الآن ليست أن نجعلها تتحدث فقط.

بل أن نتأكد من أنها عندما تتحدث، تجد من يسمعها، ويصدقها، ويحميها، ويساعدها على بناء حياة أكثر أمانًا.